أصدر المجلس الألماني للعلاقات الخارجية تقريرا مهما بعنوان “ما بعد إيران: ضرورة انتهاج سياسة المانية جادة لكامل المنطقة” للكاتب DR. CORNELIUS ADEBAHR ولأهمية التقرير وما يعكسه من تصورات حول السياسة الخارجية الألمانية تجاه إيران والمنطقة وتناوله لزاوية أهمية ان تمتد اهتمامات السياسة الخارجية الألمانية لتتجاوز إيران وتتفاعل بصورة أكبر مع منطقة الخليج والمنطقة ككل، فيما يلي تلخيص مركز لأهم ما جاء في التقرير:
يشير التقرير الى الوضع الأمني حول الخليج العربي واصفا اياه بأزمة تنتظر الانفجار ومن المفترض أن تجعل صانعي السياسة الأوروبيين قلقون، حيث تشمل السيناريوهات المحتملة المواجهة النووية، الاضطرابات الشديدة في التجارة العالمية، والأزمة البيئية المستمرة التي تثير الاضطرابات الاجتماعية ويمكن أن تؤدي إلى الإطاحة بالأنظمة وتفكك الدول. ويوضح التقرير انه وبينما تلعب ألمانيا وأوروبا دورًا رئيسيًا في الملف النووي الإيراني، إلا أن التعامل مع بقية الملفات محدود للغاية مشددا على ضرورة ان تقوم الحكومة الألمانية بالتغلب على ما وصفه باقتصار رؤيتها على الجانب النووي فقط وضرورة ان تقوم بتطوير نهج متماسك وشامل للمنطقة بأكملها.
إيران بمثابة مفتاح جيوسياسي لأوروبا
يقول التقرير انه ومع كل الأزمات التي تجتاح ألمانيا وأوروبا في الوقت الحاضر لا تعتبر إيران المشكلة الأكثر الحاحا، الا ان هذه الرؤية، بحسب التقرير، تعتبر خاطئة فرؤية إيران من خلال العدسة النووية فقط يعني إهمال تحديات أخرى تثير نفس القدر من القلق وأحدها هو التهديد طويل المدى الذي تشكله التطورات الأخيرة في أفغانستان المجاورة، برلين لا تركز بشكل كافٍ على اتساع نطاق “ملف إيران” ويجب على الحكومة الفيدرالية ان تغير طريقة تعاملها مع هذا الملف.
يصف التقرير إيران برمز لخطوط التصدع العالمي في المستقبل، حيث استولى المتشددون الآن على البلاد والتحالفات الإقليمية آخذة في التحول حيث تمثل جزءًا من إعادة التوازن العالمي للقوة، ويمكن للمفاوضات الحالية في فيينا لحماية خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 (JCPOA) ، والمعروفة باسم الاتفاق النووي الإيراني، أن تعالج عنصرًا واحدًا فقط من هذه المواجهة الأكبر وتهدف المحادثات ظاهريا إلى منع طهران من تطوير سلاح نووي ومع ذلك ، فإن هذه الجهود الدبلوماسية تتعلق أيضًا بأمرين أساسيين أولاً: سلامة نظام عدم الانتشار النووي العالمي ، وثانيًا: مدى قوة الولايات المتحدة وقدرتها على فرض عقوبات على دول ثالثة متى شاءت، وبالتالي ترتبط المفاوضات أيضًا بقدرة القوى الأخرى ،ليس فقط الصين وروسيا وإيران ولكن أيضًا وبدرجة أقل تلك الموجودة في أوروبا ، على تحمل مثل هذا الضغط.
يتابع التقرير واصفا موقف المانيا من مجمل هذه التحديات مؤكدا انها لا تستطيع معالجة مثل هذه التحديات الشاملة بمفردها، إلا أن لها دورًا مميزًا تلعبه في تعزيز الموقف الأوروبي المشترك، ولضمان أن يكون الاتحاد الأوروبي (EU) طرفًا فاعلًا في هذا التنافس العالمي تحتاج الحكومة الألمانية إلى توسيع نطاق رؤيتها لإيران واستثمار المزيد من الموارد، السياسية والمتعلقة بالموظفين في دبلوماسيتها.
ويرى التقرير انه ونظرًا لأن ملف إيران مهم جدًا بحيث لا يمكن تركه لعدد قليل جدًا من الدبلوماسيين وبعض الخبراء، يجب على ألمانيا:
- التركيز بشكل أكبر على البعد الأمني الإقليمي مع دفع جميع الشركاء للعودة إلى الاتفاق النووي.
- وضع جدول أعمال إقليمي واسع يتناول إنهاء النزاعات بالوكالة وتأمين الطرق البحرية والاستثمار في التعاون البيئي بالإضافة.
- العمل على الجبهة الداخلية لشرح سبب حاجة ألمانيا والاتحاد الأوروبي إلى التعامل مع الحكومات الإشكالية، خاصة وأن الجمهورية الإسلامية ستصبح موضوعًا أكثر إثارة للانقسام في ظل قيادتها الجديدة.
الوضع الداخلي والآثار الإقليمية
يشير التقرير الى انه وعندما أصبح القاضي الأعلى السابق إبراهيم رئيسي رئيسًا لإيران في أوائل أغسطس 2021 خلفًا لحسن روحاني سيطر المتشددون على جميع مفاصل السلطة. ومع ذلك، فإن هذا الانتقال بالقرب من القمة – يظل الحاكم النهائي للسلطة في إيران هو آية الله علي خامنئي – يدل على الاستمرارية وليس التغيير، ويشير التقرير الى انه ورداً على قيام واشنطن بإلغاء خطة العمل الشاملة المشتركة من جانب واحد في عام 2018 وسياسة “الضغوط القصوى” اللاحقة التي انتهجتها إدارة ترامب فإن أولئك الذين يدافعون عن نهج عسكري – أمني في طهران هم الذين انتصروا على أولئك الذين يدافعون عن المشاركة السياسية والاقتصادية، ولوزير الخارجية الجديد حسين أمير عبد اللهيان الملقب بـ “الدبلوماسي الثوري” تاريخ من العمل مع شخصيات محافظة من المؤسسة الأمنية كما أنه لم يكن من قبيل المصادفة أن قادة الميليشيات التي تمولها إيران – حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله – في حفل تنصيب رئيسي في 6 آب / أغسطس ، كانوا يجلسون في مكان بارز في الصف الأول.
يؤكد التقرير على انه وفي حين أن الجهود المبذولة لإحياء خطة العمل الشاملة المشتركة للاستفادة من رفع العقوبات تحظى بدعم خامنئي، فإن تركيز إيران على “العمق الاستراتيجي” فضلاً عن “محور المقاومة” سيكتسب المزيد من الأهمية في الأشهر المقبلة. وكلا المفهومين لهما آثار ملموسة على المنطقة الأوسع والذي لا يشمل فقط الخليج الفارسي، ولكن أيضًا يمتد غربًا إلى بلاد الشام وجنوبًا إلى خليج عدن وبالإضافة إلى ذلك يؤكد التقرير أيضا الى انه وبالنظر إلى الانسحاب الفوضوي للقوات الدولية من أفغانستان، ستؤثر هذه المفاهيم بشكل متزايد على المنطقة الواقعة إلى الشرق من إيران، بما في ذلك حدودها مع باكستان.
يوضح التقرير ان “العمق الاستراتيجي” يشير إلى عقيدة سائدة في الأجهزة الأمنية ولا سيما في صفوف الحرس الثوري الإسلامي للدفاع عن أراضي الدولة البعيدة عن حدودها، وفي هذا السياق فإن ذراع النخبة للحرس الثوري للعمليات الخارجية، فيلق القدس، قد نقل القتال بالفعل إلى أماكن مثل العراق وسوريا واليمن، وقد لا يمر وقت طويل قبل أن يشعر الحرس الثوري الإيراني بالحاجة إلى توسيع وجوده في الجوار الشرقي لإيران. وبينما ترحب إيران (الشيعية) بخروج القوات الأمريكية من أفغانستان، فإنها تشعر بالقلق من حركة طالبان (السنية) التي تحكم البلاد وزيادة تواجد المقاتلين الإسلاميين هناك، ومثلما حاربت ما يسمى بالدولة الإسلامية في عمق العراق يمكن أن تشعر إيران بأنها مضطرة للتدخل بقوة أكبر في أفغانستان.
ويشير “محور المقاومة” إلى تحالف طهران مع الرئيس السوري بشار الأسد وحزب الله اللبناني، بما في ذلك الميليشيات الشيعية في العراق والحوثيين في اليمن، ومرة أخرى فإن الحرس الثوري الإيراني مسؤول عن مثل هذه التحالفات وليس وزارة الخارجية وهي حقيقة اشتكى منها وزير الخارجية الإيراني السابق جواد ظريف بمرارة في محادثة سرية تم تسريبها في وقت سابق، ويؤكد التقرير على ان استيلاء المتشددين الأخير على الحكومة يعد بإبعاد إيران عن “طريق الاعتدال”.
ويرى التقرير ان هذا “المحور” يشكل أوسع محاولة لإيران للوقوف إلى جانب القوى غير الغربية في محاولة لتحرير المنطقة من الهيمنة الأمريكية، ويشمل ذلك اختيار روسيا كشريك عسكري رئيسي لها في المسرح السوري أو اختيار الصين كشريك اقتصادي رئيسي لها.
التحديات: انسحاب الولايات المتحدة والتنافس الإقليمي
يرى التقرير ان ترسيخ إيران الداخلي يتفاقم من خلال تغيير التحالفات الإقليمية التي استمرت في العمل لصالح إيران فجوانب الانسحاب التدريجي للولايات المتحدة من المنطقة الذي بدأ بـ “محور باراك أوباما نحو آسيا” وتبعه حملة دونالد ترامب – والآن بايدن – من أجل “إنهاء الحروب إلى الأبد”. كما أن انسحابها الكارثي من أفغانستان ورحيل قواتها القتالية من العراق بحلول نهاية عام 2021 يشير أيضًا إلى الأولوية التي توليها الولايات المتحدة الآن لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ وهذا يناسب إيران تمامًا حيث تهدف إلى أن تصبح القوة الإقليمية المهيمنة حول الخليج الفارسي.
وهنا يشير التقرير كيف اثرت هذه السياسة الامريكية في تحركات الدول العربية مع إسرائيل، حيث يشير الى انه واستشعارًا بفقدان الحماية الأمريكية تواصلت بعض الدول العربية مع إسرائيل لمواجهة إيران بشكل مشترك كما يتضح من توقيع “اتفاقيات إبراهيم” التي تطبع العلاقات بين إسرائيل والبحرين وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة ومع ذلك.
ويوضح التقرير أيضا تحركات الدول العربية تجاه ايران نفسها حيث يقول انها ارسلت إشارات واضحة إلى طهران بأنها تفضل الترتيب والاتفاق مع جيرانها على المواجهة الشاملة، الا ان إيران قامت بإبقاء المملكة العربية السعودية تحت الضغط من خلال إنهاكها في اليمن وإظهار نقاط الضعف العربية من خلال الهجمات المنتظمة – سواء على المنشآت النفطية على الأرض أو السفن في المياه الدولية – ويشير التقرير أيضا الى ان ايران قامت بعمل مؤثر اخر حيث اعاقت قيام التحالف الكامل لدول الخليج من خلال العمل عن كثب على وجود دول محايدة مثل الكويت وعمان وقطر في الوقت نفسه، ويقول التقرير انه وعلى الرغم من هذا التنافس الشامل لا يزال هناك الكثير من الإمكانات للتعاون العملي بشأن قضايا مثل مكافحة جائحة COVID-19 بشكل مشترك وآثار تغير المناخ إلى إدارة كل من تدفقات الهجرة والسياحة الدينية في المنطقة.
ويستطرد التقرير مستعرضا التحديات حيث يشير الى انه ومع اقتراب نهاية عصر الخليج الفارسي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، سيتم تحديد النظام الجديد من قبل كل من الدول الساحلية والقوى الخارجية التي تتنافس على النفوذ السابق – وجميعهم من غير الديمقراطيات – يفكرون من منظور استقرار النظام والسيادة الوطنية وتسعى الصين وروسيا وجزئيًا أيضًا تركيا إلى ملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة، ويوضح التقرير انه حتى الآن فقط مبادرة الحزام والطريق الجيوسياسية لبكين، التي تعبر المنطقة برا وبحرا، تقدم رؤية متماسكة للمستقبل لكنها مسألة يصعب اعتبارها في مصلحة أوروبا.
التوصيات: نهج شامل بدعم شعبي
يصل التقرير في نهايته الى التوصيات لصانعي القرار السياسي الألماني مؤكدا على ضرورة أن تكون ثلاث نقاط رئيسية على جدول أعمال السياسة الخارجية للحكومة الفيدرالية الألمانية:
- صياغة نهج إقليمي متماسك للخليج العربي وتحدياته المشتركة العديدة، والتي تشمل معالجة ندرة المياه، والأمن البحري، وعدم المساواة الاجتماعية، والوضع المقفر لحقوق الإنسان. حيث انه ولعقود من الزمان كان من السمات المميزة للسياسة الأوروبية تحفيز البلدان المجاورة للاستثمار في الأمن الجماعي وهو مفهوم شامل، ومن الأفضل للحكومة الألمانية المقبلة إحياء مثل هذه المشاركة.
- تطوير “الخطة ب “في حالة فشل المحادثات النووية في فيينا، ويعتمد هذا في النهاية على الإرادة السياسية لكل من واشنطن وطهران لتنفيذ القائمة الطويلة من الإجراءات الفنية التي تم الاتفاق عليها بالفعل، وبالنظر إلى التقدم النووي الكبير الذي حققته إيران في ظل الظروف الحالية فإن مثل هذه الخطة البديلة يجب أن تتضمن وسائل غير دبلوماسية لاحتواء البرنامج الإيراني كما يجب عليها بناء ادوات لمعالجة التوسع في عمل المملكة العربية السعودية في مجال التكنولوجيا النووية والصاروخية.
- إشراك الجمهور الأوسع في مداولاتها حيث يطغ اليوم على أي نقاش حول السياسة الصحيحة تجاه إيران معارضة صريحة قائمة على عداوة طهران لإسرائيل. ومع ذلك، فإن المصالح الألمانية والأوروبية في منع الانتشار النووي، والاستقرار الاجتماعي، والتنمية الاقتصادية الأوسع في المنطقة، والقضايا القنصلية الجارية التي تشمل مواطني الاتحاد الأوروبي، لا تسمح بفك ارتباط مع نظام غير صديق في أي مكان في المنطقة. في هذا الصدد على وجه الخصوص يمكن للممثلين المنتخبين أن يلعبوا دورًا حاسمًا في شرح السياسات للجمهور الألماني الذي – مثل قيادته – يستيقظ ببطء على التحديات الدولية التي تواجهها البلاد.
رأي The Embassy: التقرير مهم خاصة انه يدعو الى نظرة شمولية للتعامل الألماني مع إيران ويستوعب ضرورة اخذ قضايا المنطقة في الاعتبار عند التعامل معها ويثير نقاط لا يتم التركيز عليها في السياسة الخارجية الألمانية.
كما انه من المهم الإشارة الى انه وبالنظر الى الدراسات الألمانية المختلفة عن إيران ودورها في المنطقة، نلاحظ ان الكثير من الدراسات الالمانية التي تتناول الوضع في اليمن على سبيل المثال تشكك في التدخل الإيراني في اليمن وتحاول أحيانا نفيه، الا ان الدراسات الألمانية التي تتناول إيران ونشاطات الحرس الثوري تشير الى التدخل الإيراني في اليمن بصورة جلية واضحة وتؤكد عليها، وهو ما يلقي الضوء بوضوح على تأثير الأهداف الرئيسية والرسائل التي تريد مراكز البحث وصانعي السياسات الخارجية ايصالها في كل قضية على حدة.
الجدير بالذكر ان العلاقات الألمانية الإيرانية لها خصوصية حتى عن بقية الدول الأوروبية الرئيسية، فمع حزمة من الخلفيات التاريخية والمصالح الاقتصادية والسياسية يكون لهذه العلاقات بعدا إضافيا يظهر بصورة واضحة في تصريح سابق للمستشارة انجيلا ميركل بأن الاتفاق النووي الإيراني يمثل “قضية امن قومي لألمانيا” هذا وستقوم The Embassy بالعمل على تقرير منفصل حول طبيعة العلاقات الألمانية الإيرانية من حيث المؤثرات ومحاولة لفهم أسباب السلوك السياسي الخارجي الألماني مع إيران”.

