قام المستشار الألماني السيد أولاف شولتس بزيارة رسمية إلى تركيا في 19 أكتوبر 2024م، وهي ثاني زيارة إلى تركيا للمستشار منذ توليه المنصب، العلاقات بين البلدين شهدت الكثير من التوترات في الفترة الماضية، وفي نفس الوقت تحكمها الكثير من المصالح وتتشابك الكثير من السياسيات في البلدين تجاه العديد من القضايا، وتأتي هذه الزيارة كمؤشر مهم لسير العلاقات ومحاولة تجاوز النقاط الإشكالية في العلاقات الثنائية بين البلدين.
جاءت الزيارة في الذكرى المئوية للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتطرقت الزيارة إلى عدد من القضايا مثل التعاون الدفاعي حيث استأنفت المانيا تصدير السلاح إلى تركيا في خطوة لها دلالة مهمة وتطمح تركيا إلى موافقة المانيا على تزويدها بطائرات اليوروفايتر ، قضايا الهجرة، الصراع في الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا وملفات اقتصادية، حيث تعتبر المانيا الشريك التجاري الأهم لتركيا وقد وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين في العام الماضي 55 مليار يورو، والجدير بالذكر ان أحد أهم عناصر العلاقات بين المانيا وتركيا هي تواجد أكثر من 3 مليون شخص في المانيا من أصول تركية ” وهي كتلة بشرية مرتبطة بشكل وثيق بالثقافة التركية وبالوطن الأم”.
سبقت هذه الزيارة خطوات وإجراءات مثلت تمهيدا لها وقادت اليها مثل تزايد اللقاءات الدبلوماسية بين المانيا وتركيا، استئناف الصفقات الدفاعية الألمانية إلى تركيا، الاتفاق على إعادة تقييم تزويد تركيا بطيارات يوروفايتر، الدور التركي الإيجابي في الحرب الروسية على أوكرانيا، تداخل المصالح في ملف اللجوء والهجرة.
المؤتمر الصحفي بين القائدين:
عقد الرئيس التركي والمستشار الألماني لقاء صحافيا على هامش الزيارة تطرق إلى أهم ما تم تناوله في مباحثاتهم الثنائية، وقد تطرق حديث القائدين إلى النقاط التالية والتي تظهر بوضوح أبعاد ونتائج المباحثات الثنائية:
الرئيس التركي:
- قال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ان القوة الدافعة للعلاقات بين البلدين هي المصالح المشتركة وأيضا العلاقات الإنسانية مع تواجد 3،5 مليون شخص من تركيا يعيشون في المانيا وأكثر من 6 ملايين الماني يزورون تركيا سنويا، مع حجم تبادل تجاري وصل إلى 50 مليار دولار مؤكدا التزام تركيا بالوصول الى 60 مليار دولار، كما أشار الرئيس التركي إلى ان المباحثات تطرقت للجالية التركية في المانيا، ولكن أيضا للحركات المعادية للإسلام وكراهية الأجانب في أوروبا.
- أكد الرئيس التركي على أنه تم بحث قضايا التسليح وأن الطرفين تركوا ورائهم المشاكل السابقة في الحصول على هذه المنتجات معبرا عن شكره وتقدير للجهود التي بذلها المستشار في هذا الصدد واصفا إياه بالصديق العزيز، وأشار إلى انهم تطرقوا لقضايا العلاقات مع الإتحاد الأوروبي وتحديث الاتحاد الجمركي وتحرير التأشيرات.
- في معرض إجابته على الأسئلة قال الرئيس التركي ان ما يحدث في غزة هو مذبحة ولذلك انضمت تركيا للدعوى المرفوعة على إسرائيل في محكمة العدل الدولية، كما أشار إلى ان الاسلاموفوبيا منتشرة في أوروبا وفي المانيا
المستشار الألماني:
- من جانبه أكد المستشار الألماني ضرورة الحفاظ على تبادل وجهات النظر حول القضايا المؤثرة على المستوى الثنائي والأزمات العالمية، وأشار إلى ان البلدين أدانا الهجوم الروسي على أوكرانيا، وقال بوضوح انه ليس سرا ان البلدين لديهما وجهات نظر مختلفة فيما يخص الصراع في الشرق الأوسط إلا انه أكد على أن البلدين يريان ضرورة خفض التصعيد ووقف إطلاق النار وإطلاق عملية سياسية نحو حل الدولتين.
- كما تحدث عن العلاقات الثنائية التي تممت مناقشتها في المباحثات، مشيرا إلى قضايا الهجرة وأكد ان المانيا ستستمر في دعم تركيا في التعامل مع عواقب الحرب في سوريا مع ارتفاع اعداد اللاجئين، مقدما الشكر إلى تركيا فيما يتعلق بالتعاون في مجال الهجرة، وتطرق إلى التعاون الاقتصادي مشيرا إلى انه يتطور بشكل جيد، وفيما يخص انضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي أشار المستشار إلى ان مواصلة تطوير العلاقات بين الإتحاد الأوروبي وتركيا ” أمر قريب إلى قلبي”.
- وفي معرض إجابته على الأسئلة أشار السيد أولاف شولتس انه من الصواب ان يقدم الإتحاد الأوروبي دعما ماليا في التحدي الكبير الذي تواجهه تركيا فيما يتعلق باللاجئين، وقال انه يريد ان يقول بكل وضوح فيما يتعلق بإعادة المجرمين من المانيا بأن تنظيم رحلة إعادة إلى أفغانستان كان أمرا صائبا وان المانيا تبحث عمل مماثل يتعلق بسوريا.
- كما قال في المستشار في إجابة على سؤال حول موقف المانيا من الحرب على غزة ان لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها مع ضرورة التزامها بالقانون الدولي، وقال انه يريد ان يؤكد بكل وضوح ان لألمانيا مسؤولية خاصة تجاه أمن إسرائيل، وأكد ان المانيا تبذل كل جهدها لوصول المساعدات إلى غزة وأيضا للوصول الى حل الدولتين، إلا انه أضاف ان المانيا لا تعتقد ان اتهام الإبادة الجماعية مبرر.
- كما علق المستشار حول الاسلاموفوبيا قائلا انه لا يمكن قبول أي تمييز ضد أي من شرائح المجتمع، مضيفا انه هناك بالطبع أيضا التطرف الاسلامي الذي يحب محاربته.
- قال المستشار أيضا ان العلاقات الثنائية مع تركيا تتطور بشكل جيد وستستمر في التوسع وهناك مناقشة لاستمرار صيغة استئناف المشاورات الحكومية وان المانيا تعمل على تطوير العلاقات بين تركيا والإتحاد الأوروبي.
- ومعلقا على قضايا التأشيرات أشار إلى المانيا تقوم بعمل رقمنه للقنصليات الألمانية في تركيا للتعامل مع الكم الكبير من طلبات التأشيرات بشكل أسرع.
نتائج الزيارة:
بصورة عامة من الممكن اختصار ملامح ونتائج زيارة المستشار الألماني إلى تركيا بالنقاط التالية:
- الدعم المشترك لأوكرانيا.
- الأولوية للحلول السياسية في الشرق الأوسط، واهمية خفض التصعيد وضرورة إطلاق عملية سياسية نحو حل الدولتين.
- استئناف تزويد تركيا بالسلاح وإعادة تقييم تزويد تركيا بطائرات اليوروفايتر.
- التزام المانيا تجاه تركيا في مواجهة تحديات وعواقب الحرب في سوريا والعدد المرتفع من اللاجئين.
- علاقات اقتصادية جيدة.
إلا ان هذا التطور في العلاقات لا زال وبلا شك يحمل أيضا عددا من التحديات والاختلافات في وجهات النظر، وعلى رأسها تباين وجهات النظر في القضايا الإقليمية والدولية مثل مطالبة المانيا لتركيا بالانضمام الى العقوبات الغربية على روسيا، وهناك خلافات عميقة ظهرت في المؤتمر الصحفي بين القائدين حول الحرب في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى ما نتج عن الانتقادات الألمانية للسياسات الداخلية التركية والأوضاع الحقوقية في تركيا والأزمة التي حدثت بسبب رفع لاعب كرة تركي لشعار الذئب خلال مباراة في المانيا وما نتج عن ذلك من أزمة دبلوماسية بين البلدين، وعلى رأس التباينات والتحديات الموقف تجاه انضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي.

