على ضوء التوتر الشديد في العلاقات الألمانية مع ايران، وخاصة عقب اعدام ايران للناشط الألماني من أصول إيرانية السيد جامشيد شارمهد، قامت صحيفة در شبيغل الألمانية بإجراء لقاء صحفي مع عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني، اللقاء تطرق لقضية اعدام جامشيد شارمهد والعلاقات الإيرانية الألمانية والموقف الإيراني من عدد من القضايا الدولية، وعبرت الأسئلة التي وجهتها الصحفية السيدة Susanne Koelbl عن الأفكار والمخاوف الألمانية تجاه ايران، كما مثل اللقاء فرصة لوزير الخارجية الإيراني في تقديم وجهة النظر الإيرانية للجمهور الألماني عبر الصحيفة الألمانية الأكثر شهرة.
Susanne Koelbl هي مراسلة لمجلة در شبيغل أكملت تدريبها الصحفي في ميونيخ وعملت كمؤلفة في مجلة “زود دويتشه تسايتونج” وفي عام 1991، انتقلت إلى در شبيغل وقد قدمت تقارير من مناطق الحرب والأزمات مثل البلقان وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، بما في ذلك أفغانستان وإيران وكوريا الشمالية وسوريا والمملكة العربية السعودية.
- اعدام جمشيد شارمهد والمحتجزين الالمان في إيران:
تطرق اللقاء في بدايته الى قضية جمشيد شارمهد وأشارت الصحفية الى ان تنفيذ حكم الإعدام بحق المواطن الألماني جمشيد شارمهد، كما أعلن الموقع الرسمي للقضاء الإيراني يوم الاثنين قبل الماضي، بمثابة صدمة لألمانيا، وأضافت بأن المانيا وردًا على ذلك، أغلقت القنصليات الإيرانية في ألمانيا، وأصبحت العلاقات الآن في أدنى مستوياتها على الإطلاق، مستفسرة عن ظروف وفاة جمشيد شارمهد؟
أشار السيد عراقجي في رده الى أن الألمان يتجاهلون حقيقة أن جمشيد شارمهد كان مسؤولاً عن الانفجار الذي وقع عام 2008م، في مسجد في شيراز والذي أسفر عن مقتل 14 شخصًا وإصابة أكثر من 200، عندما كان يعيش في الولايات المتحدة، وقال انه تحدث بفخر عن أفعاله في مقابلات تلفزيونية مشيرا الى تصريح سابق لشارمهد قال فيه “لقد بدأنا حربًا مع الجمهورية الإسلامية ونحن نقتلهم”، ووضح السيد عراقجي ان هذه جريمة وقد تم القبض على السيد شارمهد باعتباره إيرانيًا، لأن الجمهورية الإسلامية لا تعترف بالجنسية المزدوجة وتم نقله إلى إيران وحصل على محاكمة عادلة في المحكمة وأدين بتهمة الإرهاب بموجب القانون الإيراني وحكم عليه بالإعدام.
علقت السيدة كويلبل بأن شارمهد اختطف أثناء سفره في دبي وتعرض للتعذيب وبأنه ووفقا للمعايير الدولية، لم يخضع لمحاكمة عادلة وشفافة، ولم يُسمح له باختيار محاميه الخاص ولم يتلق الرعاية الطبية الكافية أثناء احتجازه وليس من الواضح على وجه التحديد الدور الذي ربما لعبه في الهجوم الذي ذكره الوزير في عام 2008.
أجاب السيد عراقجي بأن التعذيب محظور في الجمهورية الإسلامية ولا معنى له أيضاً لأن السيد شارمهد اعترف علناً بأفعاله، ولم يكن يريد محامياً من اختياره، والأدلة المذكورة متاحة، وأضاف ان جمشيد شارمهد إرهابي وسيكون من الجيد أن ينتبه المجتمع الألماني والسلطات الألمانية إلى هذا، وبأنه لا يستطيع أن يفهم الضجيج والدعاية السياسية المحيطة بهذه القضية.
وفي استفسار مباشر للصحفية سألت السيد عراقجي هل تم شنق جمشيد شارمهد؟ وهنا أوضح الوزير الإيراني ان بيان القضاء لم يوضح تفاصيل الإعدام وان الأكيد ان السيد شارمهد لم يعد موجودًا في هذا العالم والسؤال عما إذا كان قد أعدم أم مات لأسباب طبيعية ليس له أي صلة بالموضوع فعندما يأتي الموت، فإنه يأتي، مشيرا الى اسفه لأن هذا الأمر يوتر العلاقات الألمانية الإيرانية ورغبته لو كان بوسعه منع ذلك مشيرا الى انه وللقيام بذلك، كان لزامًا على الحكومة الألمانية أن تتعاون وتبلغ الحكومة بأن هذا إرهابي، بدلاً من الدفاع عن شخص داس على كل المعايير الإنسانية، مؤكدا ان الجانب الإيراني قام على الفور بمشاركة المعلومات المتاحة حول وفاة السيد شارمهد مع الحكومة الألمانية، وعبر عن استعداد السلطات الايرانية تسليم الجثمان في حال تقدمت عائلته بطلب رسمي.
تحدثت السيدة كويلبل عن وجود خمسة مواطنين ألمان على الأقل، إلى جانب العديد من المواطنين الأوروبيين والأميركيين الآخرين، محتجزين في السجون الإيرانية ومن بينهم سائحان يبلغان من العمر 69 و25 عاماً، بالإضافة إلى امرأة ألمانية إيرانية مسنة ومواطنين أوروبيين وأميركيين آخرين، وفي حالة المواطنين الألمان الثلاثة على الأقل، يتولد الانطباع بأنهم محتجزون كأوراق مساومة للتفاوض على إطلاق سراح الإيرانيين المحتجزين حالياً في السجون الغربية.
- التطورات في منطقة والحرب في غزة:
لم يقدم الوزير عراقجي هنا إجابة وانما انتقل الى محور مختلف حيث قال “لقد طرحتي أسئلة لمدة عشرين دقيقة حول مقتل أحد الإرهابيين، ولكننا لم نشهد أي إدانة من الحكومة الألمانية لقتل خمسين ألف إنسان في غزة، ولا أي دعم لقرار في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، ولا أي عقوبات، ولم تُغلق السفارة الإسرائيلية والقنصليات الإسرائيلية. إن قتل الشعب الفلسطيني على يد إسرائيل ليس بالأمر المهم بالنسبة لك، إن غطرسة أوروبا هي التي أدت إلى الصراع الحالي. دعوا معاييركم المزدوجة جانباً لمرة واحدة، وربما تتاح لنا فرصة التفاهم!”
اشارت الصحفية بإن الحكومة الألمانية والعديد من الألمان يرون أن ما يحدث في غزة أمر مروع، فقد قيدت برلين في البداية تصاريح تصدير الأسلحة إلى إسرائيل في نهاية عام 2023، ثم أوقفتها بالكامل تقريبًا منذ مارس 2024.
علق السيد عراقجي بأن المانيا زودت إسرائيل بكل الأسلحة التي تحتاجها لتدمير منازل السكان في غزة وقتل النساء والأطفال في وقت سابق، مستفسرا عن عدد المرات التي أدان الألمان فيها تصرفات الإسرائيليين مشيرا الى ان الولايات المتحدة تزود إسرائيل بكل ما تحتاج إليه حتى الأسبوع الماضي مضيفا “لا ينبغي لكم أن تكونوا مغرورين إلى هذا الحد.”
علقت السيدة كوبليل بما يعتبر موقفا لأغلب الساسة الالمان حول هذا النقطة مشيرة إلى أن هذه الحرب بدأت بهجوم على إسرائيل شنته حماس، حليفة إيران في السابع من أكتوبر 2023، وبأن حماس قتلت نحو 1200 شخص وأسرت 250 رهينة وهي جريمة وحشية وكان لإسرائيل كل الحق في الدفاع عن نفسها.
شدد السيد عراقجي على ان هذا قرار اتخذته حماس ولم تستشير فيه إيران والتاريخ وحده هو الذي سيخبرنا ما إذا كان هذا القرار مناسباً مضيفا بأن هذه العملية هي نتيجة 80 عاماً من احتلال أرض الشعب الفلسطيني وطرده وقتله وحرم مليوني شخص من حقهم في تقرير المصير وأودعوا في سجن كبير يسمى غزة وبأنه لا ينبغي معاقبة الشعب الفلسطيني على ما فعله الألمان باليهود.
- الأوضاع في إيران
اشارت الصحيفة الى ان إيران تعاني من تضخم يزيد عن 30%، والفقر أصبح منتشراً على نطاق واسع، وأغلبية السكان يرفضون بشدة الزعامة الدينية الاستبدادية بالإضافة إلى تحالفاتها مع الميليشيات في العراق وسوريا، واليمن، ولبنان، وغزة.
وفي توضيح السيد عراقجي على طلب الصحيفة ان يشرح للأوروبيين والالمان اهداف إيران التي تسعى لتحقيقها بهذه السياسة، أشار الى اعتقاده بأن العالم الغربي لم يفهم أبداً الثورة الإسلامية في إيران ومثلها العليا، مضيفا ” لقد حاربت الثورة الإيرانية ضد دكتاتورية ونظام استبدادي كان يعتمد على الولايات المتحدة، وكان شعار الثورة في إيران “الاستقلال – الحرية” ولهذا السبب فإننا ندعم كل أولئك الذين يشتركون في هذه المثل منذ ذلك الحين وعلى النقيض منكم، فأنا لا أصف حماس وحزب الله وغيرهما بأنهم “وكلاء”. بل أسميهم حركات تحرر ودعمهم لا يعود بأي فائدة على إيران.”
كما علق على إشارة الصحيفة الى دعم ميلشيا حزب الله بأنها تطلق على أي شخص يتصرف ضد السياسة الغربية لقب الإرهابي، وأي شخص يتصرف وفقًا للسياسة الغربية هو من الرجال الطيبين، وبأن هذه هي المعايير المزدوجة الغربية وهي سياسة مضللة.
- العلاقات الأوروبية الإيرانية:
في هذا المحور تحدثت الصحفية عن التقارب الذي تم على مدى العقد الماضي، وعن التباعد الذي أصبحت أوروبا وإيران اعليه اليوم، وأضافت “أنت على جانب ما يسمى محور المقاومة، التحالف الفضفاض للقوى العنيفة المناهضة للغرب، أنت حليف وثيق لروسيا والرئيس فلاديمير بوتن، المطلوب دوليًا بتهمة ارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا وتزوده إيران بطائرات بدون طيار وصواريخ، بينما ترسل كوريا الشمالية جنودًا” واستفسرت عما إذا كانت هذه حقًا الشركة التي تريد إيران الاحتفاظ بها؟
أكد السيد عراقجي في معرض رده بأن إيران لم توافق قط على هجوم روسيا على أوكرانيا، وبأنها تدعم وتدافع عن سلامة أراضي أوكرانيا، موضحا ان إيران تعيش في ظل سياسة الضغط الأقصى من الولايات المتحدة، بدعم من أوروبا، لعقود من الزمن، مضيفا ” إنهم ليسوا في وضع يسمح لهم بإخبارنا بما يمكننا بيعه ولمن، أو ما لا يُسمح لنا ببيعه، وعلى الرغم من كل شيء، لم تبع إيران لروسيا أي صواريخ باليستية، كما أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل أيام قليلة”.
كما أشار الى ان إيران قد اقترحت محادثات بشأن أوكرانيا على أوروبا، وقال “ولكن إذا كان الأوروبيون أكثر اهتمامًا بجعل أوكرانيا موضوع مواجهة بدلاً من التعاون، فهذا خيارهم، وليس خيارنا، أتمنى أن تعلموا أن العلاقة الروسية الإيرانية لم تنشأ إلا رداً على سلوك ألمانيا”
استفسرت السيدة كيلبل عن قصد الوزير الإيراني من هذا التعليق فوضح بأنه وبعد ثورة 1979، تركت ألمانيا إيران وشأنها، واضطرت إيران في ذلك الوقت إلى اللجوء إلى روسيا لإكمال مشروعها الذي كان من المقرر استكماله وكان عقد البناء الأولي قد تم توقيعه مع شركة سيمنز.
علقت الصحفية بأن الاتفاق تم توقيعه من قبل الحكومة في طهران في ذلك الوقت، والتي أطاح بها الثوار، وعندما تتوقف الحكومات عن الوجود، تصبح العقود غير صالحة في كثير من الأحيان.
استطرد السيد عراقجي موضحا بـأن الصناعة النووية الإيرانية بدأت بمساعدة ألمانية، ولو بقي الألمان، لكان البرنامج النووي الإيراني قد سلك مسارًا مختلفًا اليوم، مؤكدا بأن الحكومة الألمانية ارتكبت أخطاء في نقاط مختلفة من التاريخ، محذرا من ارتكاب المزيد من الأخطاء الآن.
- الملف النووي الإيراني:
تحدث السيد عراقجي عن الملف النووي الإيراني موضحا بأن إيران قد تفاوضت بحسن نية مع ثلاث دول أوروبية، بما في ذلك ألمانيا، إلى جانب روسيا والولايات المتحدة والصين لمدة عامين ونصف، وقد قام بقيادة تلك المفاوضات، وتم التوصل الى حل وسط احتفى به العالم باعتباره نتاجًا للدبلوماسية، واحترمت إيران جميع الاتفاقات، الا ان الولايات المتحدة انسحبت فجأة من المعاهدة من أجل إعادة فرض عقوباتها.
مشيرا الى ان الدول الأوروبية الثلاث التزمت بالتعويض عن ذلك، وهو ما لم تستطع القيام به، مؤكدا ان إيران أظهرت حسن النية، ولكن لم تر حسن النية من الجانب الاوروبي.
علقت السيدة كيلبيل بأن من المعروف أن الحكومات الأوروبية كانت على استعداد للتعويض عن الضرر، ولكن الشركات الأوروبية تعرضت لضغوط من الولايات المتحدة لعدم التعامل مع إيران إذا لم تكن تريد خسارة أعمالها في الولايات المتحدة، مستفسرة عما إذا كان هذا هو سبب لتسليم طائرات بدون طيار وصواريخ إلى روسيا؟
وقد علق السيد عراقجي “هل تحاولون بجدية الحكم على إيران بسبب بيع بعض الأسلحة الصغيرة والخفيفة إلى روسيا؟ هذه طريقة غير عادلة للنظر إلى الأمر.”
وفي استفسار حول إمكانية حدوث مفاوضات جديد بشأن البرنامج النووي الإيراني أشار السيد عراقجي الى وجود تحديات كبيرة، لأن المعاهدة تنتهي في 25 أكتوبر 2025، وهناك حاجة إلى اتفاقية جديدة، معبرا عن استعداد إيران للمشاركة والدخول في مفاوضات مع دول المنطقة، كما أضاف السيد عراقجي ” أما بالنسبة للتعاون مع روسيا فأنا مستعد للتحدث مع الأوروبيين، دعونا نشارك في الحوار ونتجنب العقوبات.”
وفي إشارة الى ملف العقوبات اشارت السيدة كيلبيل الى ان وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك دعت إلى إجراء تحقيق من جانب الأمم المتحدة في حملة القمع العنيف للاحتجاجات في إيران في عام 2022، والتي قُتل فيها مئات المتظاهرين، كما أنها تشن حملة في أوروبا لإدراج الحرس الثوري كمنظمة إرهابية – الأمر الذي قد يؤدي إلى فرض عقوبات أخرى على إيران.
علق السيد عراقجي بأن العقوبات لا تؤدي إلا إلى تعقيد المشاكل ولم تساعد العقوبات قط في حل أي مشكلة، على الأقل ليس في إيران. موجها رسالة للأوروبيين بضرورة ان ينسوا العقوبات لأنها لم تنجح في الماضي، ولن تنجح الآن ولن تنجح في المستقبل.
وفي نهاية اللقاء قال السيد عراقجي “لدي سؤال للألمان، لماذا اتخذتم فجأة نهج مواجهة مع إيران، على الرغم من تجاربكم الإيجابية في المفاوضات؟ إذا أراد الأوروبيون، وإذا أراد الألمان اتخاذ نهج مواجهة، فهذا بالطبع قرارهم، وليس قرارنا.”
- التحليل:
اللقاء مثل صورة واضحة على الاختلاف الكبير لوجهات النظر بين إيران وألمانيا، والصعوبة الشديدة في احداث أي اختراق يفضي الى تفاهمات في هذه الفترة، والامر منوط بمسار السياسة الدولية القادم وعما إذا كان سيخلق تقاطع مصالح مشتركة يسمح بتخفيف حدة التوتر في العلاقات.
الملاحظ ان وزير الخارجية الإيراني ادار الحديث بسرعة في اتجاه اخر عندما تم توجيه سؤال عن بقية المعتقلين الالمان، كما ان اللقاء اظهر مدى الشعور الإيراني بخسارة الجانب الألماني والذي تمتع بعلاقة معقولة معه لفترة طويلة.
يمثل اللقاء نقل لوجهات النظر الإيرانية للمتابع الألماني، ولكن في نفس الوقت تشير الأسئلة المطروحة بوضوح للمنطلقات الألمانية ووجهة النظر الألمانية حيال إيران.
هناك إشارة مهمة من الوزير الإيراني بان العلاقات مع روسيا كانت بالدرجة الأولى بسبب الابتعاد الألماني عن إيران، وفي كل الأحوال هذا لا يعني ابدا عدم أهمية العلاقة مع روسيا، ولكنها دعوة لألمانيا للاقتراب من جديد وإمكانية خلق مساحة مشتركة في حال حدث هذا التقارب.
كما ان هناك إشارة ثانية مهمة في حديث الوزير الإيراني بدعوته لحوار مع أوروبا حول علاقة إيران مع روسيا، ولازالت إيران تعول كثيرا على العودة الى علاقات دافئة مع الجانب الأوروبي ومع المانيا تشبه تلك التي تولدت عقب الاتفاق النووي الإيراني.
رابط اللقاء:

