مثل فوز حزب البديل AFD في انتخابات ولايتي تورنغن وساكسونيا واحدة من أهم التطورات في الحياة السياسية في المانيا، بكل ما يحمله هذا من معاني لتصاعد التيار السياسي اليميني الشعبوي، وبكل ما يحمله هذا الحزب من أفكار قومية متطرفة ومناهضة للهجرة وقريبة من السياسة الروسية، ومن جهة أخرى مثلت نتائج هذه الانتخابات ضربة مؤلمة للإتلاف الحاكم ومؤشر مهم على مالاته، فحزب الخضر على سبيل المثال لم يستطع تحقيق عتبة الخمسة في المية في تورنغن وخرج نهائيا من التمثيل في البرلمان المحلي.
فاز حزب البديل المتطرف في ولاية تورنغن بالمركز الأول وذلك بنسبة 33,5%، وفي ولاية ساكسونيا حصل على المركز الثاني بنسبة 31,3% ” جاء في المركز الأول الحزب المسيحي الديمقراطي وبنسبة 31،7%”، ومن المهم الإشارة إلى ان الحزب ينادي بشكل رئيسي ببرامج سياسية ضد الهجرة وهو ما ينظر اليه على انه السبب الرئيسي في ارتفاع شعبيته، ولذلك نجد الحزب المسيحي الديمقراطي يشدد في طروحاته ضد الهجرة ويصرح رئيسة السيد فرردرش ميرتس بتصريحات تنادي بضرورة تشديد قوانين الهجرة وسرعة الترحيل وضرورة اصلاح قوانين وبرامج الهجرة في المانيا، كما يلاحظ ان تحالف سارة فاغنكنشت “تيار سياسي يساري منشق عن حزب اليسار” حقق نتائج جيدة جدا والحزب أيضا يتبنى أطروحات سياسية بضرورة تشديد قوانين الهجرة وضبطها كما ينادي بمنع نشر صواريخ أمريكية في المانيا، في محاولة للاستفادة من المشاعر الشعبية السلبية تجاه سياسات الهجرة والتي حقق بسببها حزب البديل نتائج ملفته، وهنا نستطيع ان نرى القواسم المشتركة للأحزاب التي تحقق نتائج إيجابية واستنتاج ما يحرك الناخب الألماني، ومن المهم تأمل تأثير حادثة الطعن من قبل مهاجر سوري في زولنعن على الرأي العام، ومحاولة الحكومة التحرك بشكل سريع لاحتواء تأثيرات هذا الهجوم عبر ترحيل 28 لاجئ افعاني، خاصة ان حادثة الطعن جاءت مباشرة قبل أيام من انتخابات ولايتي تورنغن وساكسونيا.
بالمقابل مثلت النتائج لهذه الولايات الشرقية في المانيا ضربة قوية للحكومة الألمانية واحزابها، فقد صرح رئيس حزب الخضر السيد أوميد نيربور بضرورة مراجعة النفس، ووصف المستشار أولاف شولتس هذه النتائج بأنها مريرة، وصرح محذرا من تصاعد حزب البديل قائلا “ بلادنا لا يمكنها ولا يجب أن تعتاد على ذلك، حزب البديل من أجل ألمانيا يلحق الضرر بألمانيا، إنه يضعف الاقتصاد ويقسم المجتمع ويدمر سمعة بلادنا” وقد وجد الكثير من المحللين ان خسائر أحزاب الإتلاف ترجع الى الخلافات الداخلية والتي أدت الى عدم القدرة على اتخاذ القرار بالإضافة الى ما يوصف بأنه سوء إدارة ملف اللجوء، واستمرار الدعم غير المحدود لأوكرانيا، وعلى ما يبدو من كلما سبق ان هذه هي الملفات الرئيسية في توجه الناخب الرئيسي ويبدو واضحا الى أي اتجاه يميل هذا التوجه.
في ظل تصاعد التيار اليميني في المانيا ممثلا في حزب البديل، وتصريح رئيس الحزب السيد بيورن هوكه بعد النتائج الأخيرة بأنه لن يكون هناك سياسة في المانيا إلا بحزب البديل، فإنه من المهم التأمل في أفكار وتوجهات هذا الحزب فيما يخص القضايا الدولية
يوصف الحزب بأنه قريب من روسيا، وقريب من سياساتها، وبالتأكيد فإنه يعارض المساعدات المستمرة والكبيرة من المانيا لأوكرانيا، كما يتبنى “كبقية الأحزاب اليمينية الأوروبية” أفكارا ضد الإتحاد الأوروبي بشكله الحالي.
قضايا الهجرة: يرى حزب البديل ان الهجرة إلى المانيا تسببت بضرر اقتصادي كبير وأنها السبب وراء التضخم ويدعو الى انشاء معسكرات احتجاز خارج المانيا للمهاجرين غير الشرعيين.
قضايا المناخ: البديل هو الحزب الوحيد في المانيا الذي ينكر التأثيرات المناخية وينادي بالتحلل من التزامات المانيا نحو الطاقة النظيفة والحياد الكربوني.
الحرب الروسية الأوكرانية: يتخذ حزب البديل مواقف قريبة ومؤيدة للحكومة الروسية ويطالب بقوة بوقف المساعدات الألمانية المقدمة إلى أوكرانيا، كما ينادي قادة الحزب بالتفاوض مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
العلاقات مع الإتحاد الأوروبي: أعلن الحزب في وقت سابق انه سيقوم بإجراء استفتاء في المانيا في حال وصوله للحكم حول خروج المانيا من الإتحاد الأوروبي، ويرى الحزب ان الإتحاد الأوروبي يؤثر على سيادة الدول الأعضاء ويؤثر على حرية الشعوب في اتخاذ قراراتها، ووصفت زعيمة الحزب في وقت سابق الإتحاد الأوروبي بأنه مشروع فاشل لا يمكن إصلاحه.
الشرق الأوسط: طالبت الكتلة البرلمانية لحزب البديل في وقت سابق بإتباع سياسة جديدة تجاه الشرق الأوسط وترتيب وتبني مؤتمر للأمن والتعاون في الشرق الأدنى وتطبيع العلاقات مع سوريا، وقد زار وفد من الحزب سوريا في العام 2019 بغرض إيجاد نظرة متوازنة تجاه سوريا بحسب إعلان أعضاء الحزب الذي قاموا بالزيارة.
ومن الجدير بالذكر ان المركز اليهودي في المانيا حذر في وقت سابق من تنامي وتصاعد حزب البديل متهما إياه بأنه حزب يتبنى أيدلوجية متطرفة ومعادية للغرب ومعادية للسامية.
مما لا شك فيه انه، وبناء على ملاحظة الأحزاب المتطرفة الأخرى التي وصلت إلى السلطة، بأن الأحزاب السياسية تتغير كثيرا عند الوصول إلى السلطة وتتعقلن الكثير من تحركاتها وبرامجها، ولكن ضمن الإطار العام لفكرها وسياستها، ومع ذلك يجب الانتباه إلى ان حزب البديل الألماني يوصف بأنه أكثر الأحزاب اليمينية في أوروبا تطرفا.

