تعتبر ألمانيا واحدة من القوى العالمية الرئيسية، ولها دور بارز في القضايا السياسية الدولية، لقد أثرت مواقفها تجاه النزاعات، بما في ذلك الحرب على غزة، بشكل كبير على صورتها داخليا وخارجيا.
أولاً: طبيعة الموقف الألماني من الحرب على غزة:
على مر السنوات، اتخذت ألمانيا مواقف متعددة بشأن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، غالبًا ما تعبر الحكومة الألمانية عن دعمها لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ولكنها في الوقت نفسه تدعو إلى احترام حقوق الفلسطينيين وتجنب العمليات العسكرية التي تؤدي إلى فقدان الأرواح المدنية.
في سياق الحرب الأخيرة على غزة، كانت ألمانيا تدعو إلى التهدئة وحماية المدنيين، لكنها واجهت انتقادات بسبب عدم كفاية موقفها لدعم حقوق الفلسطينيين.
إن الموقف الألماني تجاه الحرب على غزة محكوم بعدة عوامل من أهمها ما يصفه الألمان بالمسؤولية التاريخية تجاه الدولة الإسرائيلية والشعور بالذنب حيال الحرب العالمية الثانية، والعامل المهم الثاني ان هناك عدد من القضايا والملفات في المانيا تمثل ميدانا للتنافس السياسي الداخلي وعلى رأسها قضية مناصرة إسرائيل والتي تحقق للسياسي الألماني الكثير من المكاسب ويعني تجاهلها او الوقوف ضدها خسائر هائلة للسياسي الألماني، والخوف من الاتهام بمعاداة السامية كان الدافع الأكبر للنخب السياسية لدعم غير محدود لإسرائيل.
الاهتمام الرسمي الألماني بالأحداث في غزة كان كبيرا وملحوظا فقد قامت وزيرة الخارجية الألمانية ب 11 زيارة الى منطقة الشرق الأوسط، وتمثل الموقف الألماني خلال الأزمة بالاصطفاف بشكل مطلق مع إسرائيل وبأن أمن إسرائيل مصلحة وطنية عليا لألمانيا مع محاولات لإيجاد شكل من أشكال التوازن عبر تبني موقف ينادي بحل الدولتين وإيقاف عمليات الاستيطان.
يرى الكثير من المحللين ان النظرة الإيجابية لألمانيا بين الشعوب العربية تنهار بسبب انحيازها الكامل لإسرائيل وموقف المانيا في بداية الحرب الرافض لوقف إطلاق النار كان مؤثرا بشكل كبير على صورتها وسمعتها كدولة حريصة على السلام في العالم.
كما استمرت الحكومة الألمانية بتقديم الدعم العسكري إلى إسرائيل، بل ان هذا الدعم تضاعف برغم محاولة السيدة بيربوك التبرير في لقاء سابق مع مجموعة من الشباب الألمان بأن هذه التوريدات للسلاح تمت بحسب اتفاقات سابقة للحرب، كما ان النخب السياسية والإعلام الألماني اتخذوا من البداية موقفا منحازا لصالح الحكومة الإسرائيلية التي تعرف بأنها يمينية متطرفة، وكانت وزيرة الخارجية قد صرحت في بداية الأحداث
وخلال اجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين أن وقف إطلاق النار غير ممكن لأن الحرب على الإرهاب ضرورة ولأن تل ابيب لا زالت تتعرض لإطلاق الصواريخ. بحسب المؤسسة البحثية Foronsis بأنه ومنذ العام 2003 أصدرت الحكومات الألمانية المتعاقبة 4427 ترخيصا لصادرات السلاح لإسرائيل بقيمة 3،3 مليار يورو ورفضت الموافقة على 56 ترخيصا فقط، وتقول المؤسسة ان العام 2023 شهد ارتفاعا كبيرا في تصاريح تصدير السلاح لإسرائيل بواقع 308 ترخيص بقيمة 346 مليون يورو وبارتفاع 10 اضعاف عن العام 2022.
من ناحية أخرى تضمن الموقف الألماني نقاط توازن تمثلت في:
- التمسك بحل الدولتين كمدخل وحيد للسلام في الشرق الأوسط.
- ضرورة السماح بدخول المساعدات.
- التشديد على ضرورة الالتزام بالجانب الإنساني.
- المناداة بوقف عمليات الاستيطان.
- المطالبة بوقف إطلاق نار إنساني.
وقد صرحت وزيرة الخارجية الألمانية في وقت سابق بأنه وحتى ضمن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها توجد قواعد ويجب تطبيق القانون الدولي الإنساني اثناء محاربة الإرهاب.
ثانيا: التأثير على صورة المانيا لدى دول الشرق الأوسط:
على المستوى الرسمي استمر التعاون مع المانيا على المستوى الرسمي مع إظهار الانتقاد للانحياز الألماني الكامل لإسرائيل، التأثير على المستوى الرسمي لم يمكن كبيرا وانحصر في بعض التعليقات الرسمية لوزراء الخارجية العرب اثناء لقائتهم مع وزيرة الخارجية الألمانية وقد وجه وزير الخارجية الأردني معالي السيد أيمن الصفدي في المؤتمر الصحفي مع السيدة انالينا بيربوك في سبتمبر 2024م انتقادا لاصطفاف المانيا مع حكومة إسرائيل المتطرفة وطالب المانيا بإيقاع العقوبات على أعضاء الحكومة المتطرفين وطالب المانيا ان تنسجم سياساتها حيال الأزمة بالقيم والسمعة الدولية الألمانية.
وصرح وزير الخارجية المصري في وقت سابق بأن للقاهرة وبرلين قدرة مشتركة على تعزيز فكرة التعاون المشترك لإرساء السلام والاستقرار في المنطقة.
كما أثر في الصورة الألمانية لدى المنطقة قيام المانيا في بداية الحرب بوقف التعامل مع منظمات المجتمع المدني الفلسطيني تحت شبهة الإرهاب.
من المهم القول بأن هذه المواقف الألمانية أحدثت شرخا في العلاقات مع العالم العربي بصورة غير مسبوقة منذ عهد المستشار الألماني هلموت كول.
إلا ان لألمانيا أيضا مواقف إيجابية مثل استمرارها في دعم الأونروا واستمرار المساعدات للسلطة الفلسطينية واستمرار المساعدات الإنسانية، كما أن الزيارات العديدة التي قامت بها وزيرة الخارجية الألمانية وحرصها على العديد من اللقاءات مع وزراء الخارجية العرب أسهم في احتواء تدهور العلاقات على المستوى الرسمي.
ثالثا: التأثير على المانيا على المستوى العالمي:
دوليا كان لموقف المانيا في محكمة العدل الدولية وانضمامها للدفاع عن إسرائيل بشكل رسمي كطرف ثالث ردود فعل دولية،
فعلى سبيل المثال قامت دولة نيكاراجوا باتهام المانيا في المحكمة بتزويد إسرائيل بالسلاح. ان انضمام المانيا لإسرائيل في محكمة العدل الدولية خطوة غير مسبوقة ولم تقم بها أي دولة أخرى، وقد صرح المستشار شولتس في وقت سابق بأن إسرائيل دولة ديمقراطية تدار بالقيم الإنسانية ولهذا فإن المانيا متأكدة بأن الجيش الإسرائيلي ملتزم بالقانون الدولي.
كما صرح المتحدث الرسمي للخارجية الألمانية معبرا عن رفض المانيا المطلق للاتهامات ضد إسرائيل بالإبادة الجماعية المرفوعة في المحاكم الدولية وقال انها اتهامات ليس لها أساس من الصحة وأضاف بأنه ولهذا السبب ستقوم المانيا بالتعبير عن رأيها هذا كطرف ثالث خلال جلسة الاستماع الرئيسية امام محكمة العدل الدولية.
ينظر الكثير من المحللين وبعضهم المان بأن هذه المواقف الألمانية حيال إسرائيل تصب في أحد صورها في صالح روسيا والصين، حيث تروج هذه الدول بأن مواقف المانيا دليل على ازدواجية المعايير لدى الدول الغربية.
على المستوى الدولي أيضا وقع المئات من الفنانين والمثقفين حول العالم عريضة لمقاطعة المانيا من بينهم الكاتبة الفرنسية الحائزة على جائزة نوبل للسلام اني ارنو والعريضة تدعو لمقاطعة المؤسسات الثقافية الألمانية بسبب قمعها للصوت الفلسطيني في سياق الحرب الإسرائيلية على غزة.
رابعا: التأثير على المانيا على المستوى الداخلي:
تعاملت المانيا مع المظاهرات والاعتصامات ضد الحرب على غزة بأسلوب غير معتاد في بلد ديمقراطي حر، وعانى أبناء الجاليات الإسلامية من تضييق شديد عليهم وعلى التعبير عن الرأي في هذه القضية، بالإضافة الى فض الاعتصامات في الجامعات الألمانية للطلاب المنادين بوقف الحرب على غزة، وهو ما ترك انطباعات سيئة وتسبب في احتقان داخلي لدى هذه الشريحة، والجدير بالذكر ان المحاكم الألمانية ترى بأن فض هذه الاعتصامات بهذه الطريقة امر غير قانوني.
كما صرح الأمين العام للاتحاد الإسلامي في المانيا ان الهجمات على المساجد في المانيا زادت بشكل ملحوظ وخطير بعد الحرب على غزة، وتضمنت هذه الهجمات رسائل تهديد وحرق للقران وارسال قطع من لحم الخنزير.
وعلى الصعيد الداخلي أيضا هناك ثلاث دعاوى رفعت داخل المانيا ضد الحكومة الألمانية من قبل المركز الأوروبي لحقوق الانسان وذلك بسبب صادرات السلاح الألمانية الى إسرائيل والتي تستخدم في الحرب ضد غزة.
يقول الباحث الألماني ماتياس زايلر بأن ندرة انتقاد الحكومة الألمانية لأسلوب الحرب الإسرائيلية في غزة الحقت ضررا كبيرا بالسياسة الأوروبية الخارجية والأمنية واضعفت ديمقراطية المانيا وبأن تعديل هذا المسار أصبح ضرورة عاجلة.
وبحسب الإحصاءات يرى 61% من الالمان ان العمل العسكري الإسرائيلي في غزة غير مبرر، ولكن الى الان لا يوجد نخب سياسية او أحزاب تمثل هذا التوجه.
أخيرا، يرى عدد من المراقبين ان على المانيا تحقيق توازن دقيق مع دول المنطقة والنظر بمسؤولية الى المصالح الاقتصادية الكبيرة لألمانيا مع هذه الدول، إن مواقف ألمانيا تجاه الحرب على غزة لها تأثيرات معقدة على صورتها في الشرق الأوسط، من المهم أن تتبنى الحكومة الألمانية سياسة متوازنة تراعي حقوق جميع الأطراف المعنية، مما قد يساعد في تحسين صورتها وبناء جسور الثقة مع الدول العربية، وتعزيز الحوار والديبلوماسية سيكون أمرًا محوريًا في هذا السياق.

