كيف يؤثر الصراع في اوكرانيا على العلاقات الالمانية العربية

مشاركة المقالة:

 

تمتد اثار الصراع في اوكرانيا إلى اغلب مناحي الحياة السياسية والاقتصادية في العالم وتعيد صياغة المعادلات السياسية وتوازنات القوى والتحالفات، ومن المهم تسليط الضوء على اثار هذا الصراع على العلاقات الالمانية العربية والجوانب التي قد يشملها هذا التأثير.

ان هذا الصراع خلق حالة من الإستقطاب الدولي الشديد، وتسببت العقوبات والضغط الغربي على روسيا في أوضاع إقتصادية في غاية الصعوبة، كما انه شكل ضغطا غير مسبوق على المانيا ادى الى تغيير كبير وحاد في قواعد السياسة الخارجية والدفاعية الالمانية، وبالتالي فإن تأثير هذا الصراع على العلاقات الالمانية العربية يندرج في مفصلين رئيسين وهما الغاز والطاقة، واصطفاف الدول العربية خلف الموقف الأوروبي والالماني.

المحور الأول الغاز والطاقة: مثل قرار المستشار الالماني Olaf Scholtz بتوقيف التصديق على مشروع الغاز الروسي نورد ستريم2 أحد أكثر العقوبات تأثيرا على روسيا، إلا ان القرار له ايضا تأثير بالغ على المانيا والإقتصاد ومصادر الطاقة الالمانية، فالمانيا تعتمد في الطاقة على الغاز الروسي بنسبة 55% وكانت النسبة سترتفع بتدشين مشروع نورد ستريم 2 والذي اوقف المستشار الالماني عملية المصادقة عليه نتيجة للغزو الروسي لأوكراينا.

ذكر وزير الاقتصاد الالماني Robert Habeck في وقت سابق أن “التخلي عن إحراق الوقود الأحفوري على مراحل سيعزز أوروبا جيوسياسيا ويحمي المناخ كما انه ذكر ان المانيا تستطيع ان تستغني عن الغاز الروسي.

كان الكثير من السياسيين والمحللين الالمان و حتى قبل الغزو الروسي لاوكرانيا، يحذرون من الاعتماد بهذه الصورة الكبيرة على الغاز الروسي وما يحمله ذلك من خطر على الأمن القومي الالماني والاوروبي، ولكن الغزو الروسي لاوكرانيا حسم الأمر بالنسبة لالمانيا وأصبحت قضية تخفيف الإعتماد على الغاز الروسي قضية حتمية حتى لو تمت تسوية أزمة اوكرانيا، وأصبح الجميع في المانيا واوروبا على قناعة بأن الإعتماد بهذا الشكل الكبير على الغاز الروسي كان خطأ وان تنويع مصادر الغاز يمثل أهمية وضرورة قصوى للطاقة والأمن في اوروبا، وهنا تأتي فرص عدد من الدول العربية وهي فرص بحاجة للدراسة والتحليل لمعرفة مدى امكانية حدوثها وتأثيرها على العلاقات بشكل عام.

يجب في البدء التوضيح ان البدائل الأكثر سهولة وقربا لالمانيا للغاز هي في هولندا والنرويج، ولكن الاحتياج الكبير للغاز في المانيا يجعل من تنويع مصادره امرا مهما إقتصاديا وأمنيا، وفور إتخاذ المانيا قرار ايقاف نورد ستريم 2 صرح سعادة السفير عبدالله ال ثاني سفير قطر لدى المانيا لوكالة الانباء الالمانية بأن قطر لا تمانع من تزويد المانيا بالغاز المسال وبأن الأمر يتطلب التواصل على مستوى القيادة في البلدين، وكذا صرح وزير الطاقة سعد الكعبي في تصريحات لصحافيين بأن قطر، وهي إحدى الدول الرئيسية المصدرة للغاز، طمأنت أوروبا بأنها قادرة على مساعدتها في حالة وجود صعوبات في الإمداد، موضحا بأن المساعدة ستقتصر على الكميات المتاحة.

إلا ان وزير الطاقة القطري عاد و خيب الآمال الأوروبية فيما يخص مسألة الاعتماد على قطر لتكون حلا انتقاليا وقال في منتدى الدول المصدرة للغاز الذي اقيم في الأسبوع الماضي في الدوحة بأنه لا توجد دولة واحدة يمكنها ان تحل محل امدادات الغاز الروسي بشكل فوري،  لافتا إلى أنه لا يمكن تحويل إلا حوالي 10% إلى 15% من عقود الغاز الطبيعي المسال إلى أماكن أخرى واستطرد أن بلاده ترتبط بعقود طويلة الأمد مع عملاء آخرين.

تكمن إشكالية اعتماد المانيا على قطر في إمدادها بالغاز في ان هذا الإرتباط يتطلب استثمارات كبيرة وتتطلب عقود طويلة الأجل وتستغرق الكثير من الوقت والتكاليف، فلا يمكن اساسا ان يكون الغاز من قطر حلا عاجلا كما انه لا يمكن ان يكون حلا لفترة محدودة، وفي الجانب الاخر تريد المانيا مع مرور الوقت ان يكون اعتمادها بصورة أكبر على الطاقة المتجددة وهو ما يتناقض مع ضرورة ابرام عقود طويلة الأجل.

الصعوبات والتحديات كثيرة امام الإستناد على قطر في الحصول على الغاز للأسباب التي ذكرت اعلاه ولأسباب اخرى عديدة، الا ان ما يهما هنا تحديد وفهم ان هناك احتمالية مرجحة لارتباط المانيا بقطر في صفقات غاز أكبر مما تحصل عليه الان وان كان من غير المرجح ان يكون الاعتماد الالماني بشكل رئيسي على قطر في الحصول على الغاز، ومن المؤشرات المهمة قيام مستشار النمسا ومعه وفد اقتصادي كبير ورؤساء شركات الطاقة في النمسا بزيارة دولة قطر يوم 5 مارس 2022م.

هذا ومن المهم ايضا ملاحظة ان امريكا وفي وقت سابق صرحت بأنها ستضغط على عدد من الدول من بينها قطر للعمل على سد الفجوة التي سيتسبب بها وقف الغاز الروسي على اوروبا.

من جانب اخر فإن هناك تعاون وشراكة اوروبية مع الجزائر في إمداد دول اوروبية بالغاز، وأفادت تقارير في وقت سابق بأن حلف الناتو يدرس إمكانية بناء خط أنابيب غاز يربط كاتالونيا الإسبانية بألمانيا ويقلل من اعتماد أوروبا الوسطى على الغاز الروسي، الفكرة تتمحور حول إنشاء خط جديد لإرسال الغاز الطبيعي والمسال الجزائري إلى وسط أوروبا، وذلك بعد معالجة الغاز بواسطة 8 مصانع لإعادة تحويل الغاز، تقع في إسبانيا والبرتغال.

هناك تفكير جدي في العمل على الحصول على إمدادت للغاز الى اوروبا والمانيا من الجزائر، وقد صرحت الجزائر بالفعل باستعدادها لتزويد اوروبا بالغاز عبر الانبوب الواصل الى ايطاليا، ولدى الجزائر احتياطات كبرى من الغاز لكنها لا تمتلك الأنابيب الكافية للرفع من التصدير بشكل كبير للغاية لا سيما بعد إغلاق أنبوب الغاز الذي كان ينطلق من الجزائر عبر المغرب وينتهي في إسبانيا.

ان العلاقات الالمانية الجزائرية علاقات متميزة، إلا ان أحد العوائق الرئيسية في قضية الإعتماد على الغاز الجزائري بالإضافة إلى قضية الانابيب الموصلة لهذا الغاز، هو تميز وأهمية العلاقات الجزائرية الروسية ايضا، والتي تلقي بظلالها في موضوع مثل هذا وتؤثر في مدى وكيفية الاستجابة الجزائرية وهذه العلاقة الروسية الجزائرية بلا شك أحد العناصر الرئيسية في تقييم البلدين لمدى الشراكة الالمانية الجزائرية المستقبلية في مجال الغاز.

كما يتم الحديث ايضا عن مصر كأحد المصادر المهمة للغاز لالمانيا، وقد علق على ذلك أستاذ الاقتصاد الدولي الدكتور كريم العمدة، قائلا ان مصر توسعت بشكل كبير وضخّت استثمارات ضخمة في استخراج وتجديد وزيادة كفاءة حقول الغاز الطبيعي، ولديها أيضاً احتياطات 200 ترليون متر مكعب، وهو احتياطي مؤكد وهناك المزيد من الاكتشافات الأخرى. وأضاف أن “مصر لديها أكبر بنية تحتية في المنطقة، وهي تصدّر بالفعل منذ بداية عام 2021 شحنات الغاز المسال إلى أوروبا”.

من المهم إدراك ان اوروبا تريد التنويع في استيرادها للغاز الطبيعي، ومصر تشكل مصدر محتمل، إضافة إلى أن هناك خط أنابيب غاز طبيعي بين مصر وقبرص وبمجرد أن تنتهي اليونان من حفر آبارها سيتم توصيل الغاز المصري إلى اليونان، ومن اليونان إلى إيطاليا، تأتي مصر في الترتيب الحادي عشر عالمياً بين أكبر الدول المنتجة للغاز الطبيعي.

وفي جانب مختلف يلعب المغرب ايضا دورا مهما في مجال الطاقة بالنسبة لأوروبا والمانيا، ففي يونيو حزيران 2020 وقعت ألمانيا والمغرب اتفاقا لإقامة مشروع طاقة الهيدروجين الأخضر، بالإعتماد على طاقة الشمس والرياح، ومن شأن المشروع الموقع مع المغرب تحويله إلى أكبر مصدّر عالمي لطاقة الهيدروجين الأخضر الصديقة للبيئة أو ما يصطلح عليه النفط النظيف.

وحسب وزارة التنمية والتعاون الدولي الألمانية فإن المشروع يحقق ما يعادل 2 إلى 4 في المائة من الحاجة العالمية إلى مواد الطاقة المتجددة، ويمكن أن يلبي حوالي 25 في المائة من احتياجات السوق الألمانية من الطاقة المتجددة التي سيزداد الاعتماد عليها بشكل مضطرد.

ولدى ألمانيا خيارات عديدة في البحث عن شركاء في مجال الطاقة المتجددة، وتفيد عدد من الدراسات أن حوالي 80 في المائة من موارد الطاقة المتجددة تتركز في عشرة دول بأفريقيا وأوروبا وقارات أخرى، لكن خبراء وساسة في ألمانيا يتفقون على أن اختيار دول شمال أفريقيا وعلى رأسها المغرب كشريك استراتيجي في هذا المجال، يستند إلى معايير النجاعة الاقتصادية وفرص تصدير التكنولوجيا والصناعات الألمانية وعوامل القرب الجغرافي من أوروبا والاستقرار السياسي.

يعتبر المغرب شريكا قديما وتقليديا لألمانيا، وفي مجال الطاقة المتجددة قطع التعاون بين البلدين خطوات على امتداد السنوات العشر الأخيرة، ومرت العلاقات بين البلدين بأزمة دبلوماسية وصلت إلى حد إستدعاء السفير المغربية في برلين، إلا ان هذا الأزمة انتهت في الفترة القريبة الماضية بتفاهمات بين البلدين صدر بها بيان مشترك بين وزيري الخارجية ” تم تناوله في تقرير The Embassy للأسبوع الماضي”.

من المهم في الأخير ان ندرك ان إيران وهي من أكبر الدول في مجال الغاز وأحد الإحتمالات الممكنة لتزويد اوروبا بالغاز وما يسترعي الانتباه أن تظهر في خضم كل هذا التشابك، أنباء محاولات إيران تفعيل اتفاقية أنبوب الغاز الطبيعي “خط الصداقة” مع العراق وسوريا، والذي يطمح لاحقاً لأن يصل بالغاز الإيراني إلى أوروبا بالتالي منافسة روسيا على حصصها فيما تعده مجال هيمنتها الاقتصادية.

إلا أن الإعتماد على إيران قضية معقدة وصعبة برغم الطموح الإيراني فالعلاقات الإيرانية الأمريكية ستجعل من الصعب ان تعتمد اوروبا بشكل متزايد على إيران، كما ان العلاقات الإيرانية الروسية ستعرقل مثل هذا الطموح الإيراني خاصة ان الخطة الإيرانية ان تمر الأنابيب عبر الأراضي السورية والتي لدى الروس فيها تأثير كبير وقادر على إيقاف هذا المشروع.

وما يهمنا هو الإشارة الى التأثير السياسي والإقتصادي للعلاقات الالمانية العربية، بسبب الأحداث في اكورانيا، عندما تنوع المانيا مصادر حصولها على الغاز وتكون الدول العربية مصدر من المصادر الرئيسية في ذلك، فالمزيد من الإرتباط والتنسيق السياسي سينتج عن هذا الترابط الاقتصادي، ولكن بكل تأكيد لن يكون هناك اعتماد كامل على غاز الدول العربية وان كان بلا شك سيمثل عنصرا جديدا وايجابيا في هذه العلاقات.

ولا بد من الإشارة إلى ان هذا الإرتباط في مجال الغاز سيبقى مثار قلق بالنسبة لالمانيا بسب الطبيعة المضطربة للمنطقة العربية وتعليق امر حيوي ومهم لالمانيا واوروبا بمنطقة تشهد تغيرات وصراعات امر صعب، بالاضافة الى انه من غير المتوقع ان يغير هذا الإرتباط من المواقف السياسية الالمانية من القضايا الرئيسية في المنطقة مثل موقفها من الديمقراطية وانتقادها لاي انتهاكات لحقوق الانسان وإعلان المانيا المستمر ان هذه القضايا هي البوصلة الرئيسية للعلاقات، وبطبيعة الحال فإن هذا العنصر سيكون مؤثرا وفاعلا في العلاقات الثنائية بصورة منفصلة ومتمايزة من دولة عربية الى اخرى .

المحور الثاني لتأثير الصراع في اوكرانيا على العلاقات الالمانية العربية هو الاصطفاف الدولي والاستقطاب الشديد واتخاذ المواقف مع أو ضد سواء في المحافل الدولية أو في الاجراءات السياسية والاقتصادية، فالعالم يتشكل من جديد واصبح مطلوبا من الدول بشكل أو بأخر بوضوح أو من خلال الامر الواقع ان تتخذ مواقف وان تختار مربعا قريبا من احد الاطراف أو حتى نفس المربع، وهذا الاختيار وهذا الاصطفاف سيشكل مؤثر ومعطى رئيسي في العلاقات العربية الالمانية، وسيقاس مدى قرب كل دولة عربية من السياسات الاوروبية أو الروسية، ومدى التضامن والوقوف مع المواقف الأوروبية، فالحديث هنا عن الأمن الأوروبي وما يرى الالمان انه تهديد لوحدة و أمن اوروبا، وبالتالي فإنه صراع عالمي سيكون من الصعب تجنب اثاره على العلاقات مع دولة لها وزنها وثقلها في اوروبا مثل المانيا، والتي بلا شك ترصد وتقيم مواقف الدول العربية، كل على حدة، من سياسات واجراءات اوروبا والمانيا، وتقيم كذلك علاقات هذه الدول مع روسيا والمدى الذي من الممكن ان تذهب اليه.

رابط التقرير الاسبوعي

التقارير الاسبوعية

مقالات ذات صلة

تقرير رصد السياسة الخارجية الالمانية تجاه الشرق الأوسط 5 مايو 2025

محتوى التقرير:   - رصد أهم تحركات السياسة الخارجية الألمانية. - تقرير حول دراسة مؤسسة SWP الألمانية عن سياسة الحكومة الإسرائيلية -...

تقرير رصد السياسة الخارجية الالمانية تجاه الشرق الأوسط

محتوى التقرير: - رصد أهم تحركات السياسة الخارجية الألمانية. - تقرير للخارجية الألمانية بعنوان استئناف القتال في غزة – ألمانيا...

تقرير حول مضمون دراسة SWP “القرن الأفريقي: حان وقت الدبلوماسية الوقائية”

اسم الكاتب: Gerrit Kurtz رابط الدراسة: https://www.swp-berlin.org/en/publication/horn-of-africa-time-for-preventive-diplomacy تاريخ النشر: 22 مارس 2025 المصدر: معهد Stiftung Wissenschaft und Politik (SWP) - المعهد...

زيارة الملك عبد الله الثاني إلى برلين ومشاركته في القمة العالمية الثالثة للإعاقة

في يوم الأربعاء الموافق 2 أبريل 2025، وصل جلالة الملك عبد الله الثاني، ملك المملكة الأردنية الهاشمية، إلى...